المقريزي
156
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
جناحك وقرّب عليهم مكانك وارفع عنهم حجابك ، وانظر هذا الحيّ من مدلج ، فدعهم وما غلبوا عليه يكفوا عنك شأنهم ، وأنزل الناس من بعد على قدر منازلهم ، فإن استطعت أن تعود المرضى وتشهد الجنائز فافعل ، فإنّ هذا لا ينقصك ولن تفعل ، إنك واللّه ما علمت لتظهر الخيلاء وتحب الرياسة وتسارع إلى ما هو ساقط عنك ، واللّه موفقك . فعمل محمد بخلاف ما أوصاه به قيس ، فبعث إلى ابن خديج والخارجة معه يدعوهم إلى بيعته ، فلم يجيبوه . فبعث إلى دور الخارجة فهدمها ونهب أموالهم وسجن ذراريهم فنصبوا له الحرب وهموا بالنهوض إليه . فلما علم أنه لا قوّة له بهم أمسك عنهم ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية ، وأن ينصب لهم جسر انتقيوس يجوزون عليه ولا يدخلون الفسطاط ، ففعلوا ولحقوا بمعاوية . فلما أجمع عليّ رضي اللّه عنه ومعاوية على الحكمين أغفل عليّ أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر . فلما انصرف عليّ إلى العراق بعث معاوية رضي اللّه عنه عمرو بن العاص رضي اللّه عنه في جيوش أهل الشام إلى مصر ، فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم فيه أهل مصر ، ودخل عمرو بأهل الشام الفسطاط ، وتغيب محمد بن أبي بكر ، فأقبل معاوية بن خديج في رهط ممن يعينه على من كان يمشي في قتل عثمان ، وطلب ابن أبي بكر فدلتهم عليه امرأة . فقال : احفظوني في أبي بكر ، فقال معاوية بن خديج : قتلت ثمانين رجلا من قومي في عثمان ، وأتركك وأنت صاحبه ؟ فقتله ثم جعله في جيفة حمار ميت ، فأحرقه بالنار ، فكانت ولاية محمد بن أبي بكر خمسة أشهر ، ومقتله لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان وثلاثين . ثم ولي عمرو بن العاص مصر من بعده ، فاستقبل بولايته هذه الثانية شهر ربيع الأوّل ، وجعل إليه الصلاة والخراج ، وكانت مصر قد جعلها معاوية له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة على مصلحتها ، ثم خرج إلى الحكومة واستخلف على مصر ابنه عبد اللّه بن عمرو ، وقتل خارجة بن حذافة ورجع عمرو إلى مصر فأقام بها ، وتعاقد بنو ملجم عبد الرحمن وقيس ويزيد على قتل عليّ رضي اللّه عنه وعمرو ومعاوية رضي اللّه عنهما ، وتواعدوا على ليلة من رمضان سنة أربعين ، فمضى كل منهم إلى صاحبه ، فلما قتل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه واستقرّ الأمر لمعاوية كانت مصر جندها وأهل شوكتها عثمانية ، وكثير من أهلها علوية . فلما مات معاوية ومات ابنه يزيد بن معاوية كان على مصر سعيد بن يزيد الأزديّ على صلاتها ، فلم يزل أهل مصر على الشنان له ، والإعراض عنه ، والتكبر عليه ، منذ ولاه يزيد بن معاوية حتى مات يزيد في سنة أربع وستين . ودعا عبد اللّه بن الزبير إلى نفسه ، فقامت الخوارج بمصر في أمره ، وأظهروا دعوته كانوا يحسبونه على مذهبهم ، وأوفدوا منهم وفدا إليه ، فسار منهم نحو الألفين من مصر وسألوه أن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويوازرونه ، وكان كريب بن أبرهة الصباح وغيره من أشراف مصر يقولون : ما ذا نرى من العجب أن هذه الطائفة المكتتمة تأمر فينا وتنهي ونحن لا نستطيع أن